صبحي الصالح

35

مباحث في علوم القرآن

حدثهم عن اللّه ، فهو لا يفتري مثل هذا الحديث من تلقاء نفسه لأنّه لا يكذب على اللّه . وقد أوضح النبي هذه الحقيقة في طائفة من أقواله وأعماله ، ففي حديث له يقول : « إنما أنا بشر مثلكم ، وإن الظن يخطئ ويصيب . ولكن ما قلت لكم ( قال اللّه ) فلن أكذب على اللّه » « 1 » ، وأكّد في حديث آخر أنه لا يطّلع على أفئدة المتخاصمين ، ولا يعرف ما يجول في نفس من يحتكم إليه ولو كان يعاصره ويساكنه في بلده أو كان أقرب الناس إليه فقال : « إنما أنا بشر ، وإنّكم تختصمون إليّ ، ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له به قطعة من النار » « 2 » . ومن المعروف أن بني أبيرق عمدوا إلى التضليل في قضية من قضايا السرقة على عهد الرسول عليه السلام ، فدافعوا عن السارق حتى اقتنع الرسول ببراءته ولام قتادة بن النعمان على اتهامه الأبرياء فقال : « يا قتادة ، عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير تثبّت وبيّنة » ! ثم لم يلبث أن نزل قوله تعالى : « وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً . وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً » « 3 » ، فعلم النبي أن بني أبيرق خانوه ولجأوا إلى التضليل ، فاستغفر اللّه مما وجهه إلى قتادة من العتاب والتوبيخ « 4 » . وإذا عددنا رسول اللّه شاهدنا الوحيد على وعيه ظاهرة الوحي إليه ، وعددنا اقتناعه الشخصي وسيلتنا الوحيدة لفصل ذاته عن ظاهرة الوحي ، فها هو ذا النبي عليه السلام مقتنعا - من خلال ما سبق - بأن التنزيل القرآني مصحوب بانمحاء إرادته الشخصية ، وانسلاخه من الطبيعة البشرية ، حتى ما بقي له عليه السلام اختيار فيما ينزل إليه أو ينقطع عنه ، فقد يتتابع الوحي

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه 2 / 777 رقم 2470 . ( 2 ) باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن . صحيح مسلم 12 / 4 . ( 3 ) سورة النساء 106 - 105 . ( 4 ) الحديث في سنن الترمذي . وقارن بأسباب النزول للسيوطي 48 .